لبحث الْعلمَاء عَنْهَا كَمَا بحثوا عَن سَائِر مصَادر الشَّرِيعَة ومواردها.
958 فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا لم يبحثوا عَن الْكتب السالفة لِأَنَّهُ لم يكن إِلَيْهَا سَبِيل مُسْتَقِيم فَإِنَّهَا كَانَت مبدلة مُغيرَة، وَلم يبْق من نقلتها من يوثق بهم.
قيل: الْجمع بَين هَذَا السُّؤَال وَبَين الْمصير إِلَى الْأَخْذ بشرع من قبلنَا تَصْرِيح بالتناقض فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يُكَلف شرعا ويحسم السَّبِيل إِلَى إِدْرَاكه، فَإِن ذَلِك يلْتَحق بتكليف الْمحَال.
959 فَإِن قيل: مَا كلفنا من شرع من قبلنَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُوحى إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ويتبين لَهُ مَضْمُون الْكتب السالفة، وَلم يبْق لنا مرجع إِلَى الْكتب بعد أَن اسْتَأْثر الله بِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَانْقِطَاع طرق الْإِعْلَام بِالْوَحْي والإلهام.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه إِحَالَة جَهَالَة على جَهَالَة، وَذَلِكَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أسْند حكما من الْأَحْكَام إِلَى الشَّرَائِع السالفة، على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعتصم عَن الكتمان وخائنة الْأَعْين، فَلَو كَانَ مَا قَالُوهُ سديدا لأشبه أَن يعلمنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أوجب عَلَيْهِ اتِّبَاع الْكتب والشرائع السالفة، فَلَمَّا نقل الْأَوَامِر 107 / أ الْمُجَرَّدَة وَلم يسندها إِلَى سَائِر الْملَل ثَبت أَن الشَّرِيعَة تقررت بتجدد اتِّصَال الْأَوَامِر بالمكلفين على أَنا نقُول للخصوم وَقد سلمتم مُعظم الْمَسْأَلَة لما قُلْتُمْ إننا لَا نكلف إِلَّا التَّوَصُّل إِلَى حكم من قبلنَا، وَمَا نقل عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَحْكَام غير مُسندَة إِلَى الشَّرَائِع الْمُتَقَدّمَة، فَلَا نقُول من أَحْكَام الْأَوَائِل مَا نقلت فِي حَادِثَة بأننا مخاطبون فِيهَا بشرع من قبلنَا، ثمَّ نقُول من أَحْكَام الْأَوَائِل مَا نقلت إِلَيْنَا تواترا نقلا يَقع بِهِ الْعلم، فَهَلا أَخذ أهل الْأَعْصَار بِهِ؟ أَو نقُول من أهل