أمر ونهي وخبر واستخبار، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وكل ما تكلم الله (1) به، هو معنى آية الكرسي، وآية الدين، وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر (2) عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من غير (3) أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ.
فعارض هؤلاء (4) طائفة (5) قالت: إن القرآن هو الحرف والصوت، أو الحروف والأصوات، وقالوا: إن حقيقة الكلام هو الحروف والأصوات، ولم يجعلوا المعاني داخلة في مسمى الكلام، وهؤلاء وافقوا المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الكلام ليس هو إلَّا الحروف والأصوات، لكن المعتزلة لا يقولون: إن الله تكلم بكلام قائم به (6)،