{إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ} (45) 33والأن نجيء إلى مولد عيسى : العجيبة الكبرى في عرف الناس ، والشأن العادي للمشيئة الطليقة : ( إذ قالت الملائكة : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم . وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس في المهد وكهلا ؛ ومن الصالحين . قالت : رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ قال : كذلك الله يخلق ما يشاء . إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن . فيكون . . ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم : أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ، فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ؛ وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ؛ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم . إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين . ومصدقا لما بين يدي من التوارة ، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، وجئتكم بآية من ربكم ، فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه . هذا صراط مستقيم ) . . لقد تأهلت مريم - إذن - بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل ، واستقبال هذا الحدث ، وها هي ذي تتلقى - لأول مرة - التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير : ( إذ قالت الملائكة : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم . وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين . ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ) . . إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله . بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم . . فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة . وهو الكلمة في الحقيقة . فماذا وراء هذا التعبير ؟ إن هذه وأمثالها ، من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد . . ربما كانت من الذي عناه الله بقوله : ( أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . . . ) إلخ . ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله ، وصنعته وقدرته ، ومشيئته الطليقة : لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب - وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب ، فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله . سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي ، أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت ! وهذه كتلك في صنع الله . وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة . . . . من أين جاءت هذه الحياة ؟ وكيف جاءت ؟ إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض . . شيء زائد . وشيء مغاير . وشيء ينشىء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق . . هذا السر من أين جاء ؟ إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر ! كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم ! نحن لا نعلم . وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها - نحن البشر - بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها . أو لإنشائها بأيدينا من الموات ! نحن لا نعلم . . ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم . . وهو يقول لنا : إنها نفخة من روحه . وإن الأمر قد تم بكلمة منه . ( كن . فيكون ) . . ما هي هذه النفخة ؟ وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ؟ ما هي ؟ وكيف ؟ هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه ، لأنه ليس من شأنه . إنه لم يوهب القدرة على إدراكه . إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه الله لها - وظيفة الخلافة في الأرض - إنه لن يخلق حياة من موات . . فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة ، وماهية النفخة من روح الله ، وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية ؟ والله - سبحانه - يقول : إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة - حتى علىالملائكة - فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب ! وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية ، وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون ، ليس لسائر الأحياء ! وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا ، إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارىء لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان ! المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة ؛ وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات . . وقد شاء الله - بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة - أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا . طريق التقاء ذكر وأنثى . واجتماع بويضة وخلية تذكير . فيتم الإخصاب ، ويتم الإنسال . والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة . ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة . . حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان . فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى . وإن لم تكن مثلها تماما . أنثى فقط . تتلقى النفخة التي تنشىء الحياة ابتداء . فتنشأ فيها الحياة ! أهذه النفخة هي الكلمة ؟ آلكلمة هي توجه الإرادة ؟ آلكلمة : ( كن )التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة ؟ والكلمة هي عيسى ، أو هي التي منها كينونته ؟ كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات . . وخلاصتها هي تلك : أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال . فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشىء الحياة بنفخة من روح الله . ندرك آثارها ، ونجهل ماهيتها . ويجب أن نجهلها . لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض ، ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف ! والأمر هكذا سهل الإدراك . ووقوعه لا يثير الشبهات ! وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم . . فتضمنت البشارة نوعه ، وتضمنت اسمه ونسبه . وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه . . ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه : ( وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) . .