حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ ، حدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ ، سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " إِلَهِي إِنَّ أَهْلَ مَعْرِفَتِكَ لَمَّا أَبْصَرُوا الْعَافِيَةَ ، وَلَمَحُوا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى مُنْتَهَى الْعَاقِبَةِ ، وَأَيْقَنُوا بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَابْتِدَائِكَ إِيَّاهُمْ بِنِعَمِكَ وَدَلَلْتَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ دُونَكَ إِذْ كُنْتَ مُتَعَالِيًا عَنِ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ ، اسْتَقَلُّوا كَثِيرَ مَا قَدَّمُوا مِنْ طَاعَاتِكَ وَاسْتَصْغَرُوا عَظِيمَ مَا اقْتَرَفُوا مِنْ عِبَادَتِكَ ، وَاسْتَلانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ غَيْرُهُمْ ، بَذَلُوا الْمَجْهُودَ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِكَ ، وَاسْتَعْظَمُوا صِغَرَ التَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ شُكْرِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي طَاعَتِكَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ صَغِيرًا كَانَ عِنْدَهُمْ ، فَنَحَلَتْ لِذَلِكَ أَبْدَانُهُمْ ، وَتَغَيَّرَتْ لِذَلِكَ أَلْوَانُهُمْ ، وَخَلَتْ مِنْ غَيْرِكَ قُلُوبُهُمْ ، وَاشْتَغَلَتْ بِذِكْرِكَ عُقُولُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ ، وَانْصَرَفَتْ عَنْ خَلْقِكَ إِلَيْكَ هُمُومُهُمْ ، وَآنَسَتْ وَطَابَتْ بِالْخَلْوَةِ فِيكَ نُفُوسُهُمْ ، وَلا يَمْشُونَ بَيْنَ الْعِبَادِ إِلا هَوْنًا ، وَهُمْ لا يَسْعَوْنَ فِي طَاعَتِكَ إِلا رَكْضًا ، إِلَهِي فَكَمَا أَكْرَمْتَهُمْ بِشَرَفِ هَذِهِ الْمَنَازِلِ وَأَبَحْتَهُمْ رِفْعَةَ هَذِهِ الْفَضَائِلِ ، اعْقِدْ قُلُوبَنَا بِحَبْلِ مَحَبَّتِكَ ثُمَّ حَوِّلْنَا فِي مَلَكُوتِ سَمَاوَاتِكَ وَأَرْضِكَ ، وَاسْتَدْرِجْنَا إِلَى أَقْصَى مُرَادِكَ دَرَجَةً دَرَجَةً ، وَاسْلُكْ بِنَا مَسْلَكَ أَصْفِيَائِكَ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً ، وَاكْشِفْ لَنَا عَنْ مَكْنُونِ عِلْمِكَ حِجَابًا حِجَابًا ، حتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى رِيَاضِ الأُنْسِ ، وَتَجْتَنِيَ مِنْ ثِمَارِ الشَّوْقِ إِلَيْكَ ، وَتَشْرَبَ مِنْ حِيَاضِ مَعْرِفَتِكَ ، وَتَتَنَزَّهُ فِي بَسَاتِينِ نَشْرِ آلائِكَ ، وَتَسْتَنْقِعُ فِي غُدْرَانِ ذِكْرِ نَعْمَائِكَ ، ثُمَّ ارْدُدْهَا إِلَيْنَا بِطَرَفِ الْفَوَائِدِ ، وَامْدُدْهَا بِتُحَفِ الزَّوَائِدِ ، وَاجْعَلِ الْعُيونَ مِنَّا فَوَّارَةً بِالْعَبَرَاتِ ، وَالصُّدُورَ مِنَّا مَحْشُوَّةً بِالْحُرُقَاتِ ، وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مِنَ الْقُلُوبِ الَّتِي سَافَرَتْ إِلَيْكَ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ ، وَاجْعَلْ أَنْفُسَنَا مِنَ الأَنْفُسِ الَّتِي زَالَتْ عَنِ اخْتِيَارِهَا لِهَيْبَتِكَ ، أَحْيِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ، وَتَوَفَّنَا إِذَا تَوَفَّيْتَنَا عَلَى مِلَّتِكَ ، رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ ، هُدَاةً مَهْدِيِّينَ مُهْتَدِينَ ، غَيْرَ مَغْضُوبٍ عَلَيْنَا ، وَلا ضَالِّينَ " .