قَالَ : وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَقْبَلَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَمَدَحَ نَفْسَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَذَكَرَ عَظَمَتَهُ ، وَجَبَرُوتَهُ ، وَكِبْرِيَاءَهُ ، وَسُلْطَانَهُ ، وَقُدْرَتَهُ ، وَمُلْكَهُ ، وَرُبُوبِيَّتَهُ ، فَأَنْصَتَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأَطْرَقَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، فَقَالَ : " أَنا الْمَلِكُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا أَنَا ، ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ ، وَالأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، أَنَا اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا أَنَا ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ ، وَالأَفْلاكِ الْعُلَى ، أَنَا اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا أَنَا ، ذُو الْمَنِّ ، وَالطَّوْلِ ، وَالآلاءِ ، وَالْكِبْرِيَاءِ ، أَنَا اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا أَنَا ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، مَلأَتْ كُلَّ شَيْءٍ عَظَمَتِي ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ مُلْكِي ، وَأَحَاطَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَتِي ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عِلْمِي ، وَوَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتِي ، وَبَلَغَ كُلَّ شَيْءٍ لُطْفِي ، فَأَنَا اللَّهُ يَا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ ، فَاعْرِفُوا مَكَانِي ، فَلَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا أَنَا ، وَخَلْقِي كُلُّهُمْ لا يَقُومُ وَلا يَدُومُ إِلا بِي ، وَيَنْقَلِبُ فِي قَبْضَتِي ، وَيَعِيشُ فِي رِزْقِي ، وَحَيَاتُهُ ، وَمَوْتُهُ ، وَبَقَاؤُهُ ، وَفَنَاؤُهُ بِيَدِي ، فَلَيْسَ لَهُ مَحِيصٌ وَلا مَلْجَأٌ غَيْرِي ، لَوْ تَخَلَّيْتُ عَنْهُ إِذًا لَهَلَكَ كُلُّهُ ، وَإِذًا لَكُنْتُ أَنَا عَلَى حَالِي ، لا يَنْقُصُنِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلا يَزِيدُنِي ، وَلا يَهُدُّنِي فَقْدُهُ ، وَأَنَا مُعْتَزٌّ بِالْعِزِّ كُلِّهِ فِي جَبَرُوتِي ، وَمُلْكِي ، وَبُرْهَانِي ، وَنُورِي ، وَسَعَةِ بَطْشِي ، وَعُلُوِّ مَكَانِي ، وَعَظَمَةِ شَأْنِي ، فَلا شَيْءَ مِثْلِي ، وَلا إِلَهَ غَيْرِي ، وَلا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ خَلَقْتُهُ أَنْ يَعْدِلَ بِي ، وَلا يُنْكِرَنِي ، فَكَيْفَ يُنْكِرُنِي مَنْ خَلَقْتُهُ يَوْمَ خَلَقْتُهُ عَلَى مَعْرِفَتِي ، أَمْ كَيْفَ يُكَابِرُنِي مَنْ قَهَرَهُ مُلْكِي ، فَلَيْسَ لَهُ خَالِقٌ ، وَلا بَاعِثٌ ، وَلا وَارِثٌ غَيْرِي ، أَمْ كَيْفَ يُعِزُّنِي مَنْ نَاصِيَتُهُ بِيَدِي ، أَمْ كَيْفَ يَعْدِلُ بِي مَنْ أُعَمِّرُهُ ، وَأُسْقِمُ جِسْمَهُ ، وَأُنْقِصُ عَقْلَهُ ، وَأَتَوَفَّى نَفْسَهُ ، وَأَخْلُقُهُ ، وَأُهْرِمُهُ ، فَلا يَمْتَنِعُ مِنِّي ، أَمْ كَيْفَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ عِبَادَتِي عَبْدِي وَابْنُ عِبَادِي وَابْنُ إِمَائِي ، لا يُنْسَبُ إِلَى خَالِقٍ وَلا وَارِثٍ غَيْرِي ، أَمْ كَيْفَ يَعْبُدُ دُونِي مَنْ تَخْلِقُهُ الأَيَّامُ ، وَيُفْنِي أَجَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَهُمَا شُعْبَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ سُلْطَانِي ، فَإِلَيَّ إِلَيَّ يَا أَهْلَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ لا إِلَى غَيْرِي ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِي ، وَقَضَيْتُ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَنِي ، أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ، وَلا يَكْبُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ ، وَلا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِي ، فَإِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ، وَخَزَائِنُ الْخَيْرِ كُلُّهَا بِيَدِي ، وَلَمْ أَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقْتُ لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنِّي إِلَيْهِ ، وَلَكِنْ لأُبَيِّنَ بِهِ قُدْرَتِي ، وَلِيَنْظُرَ النَّاظِرُونَ فِي مُلْكِي وَتَدْبِيرِ حِكْمَتِي ، وَلِتَدِينَ خَلائِقِي كُلُّهَا لِعِزَّتِي ، وَتُسَبِّحَ الْخَلائِقُ كُلُّهُمْ بِحَمْدِي ، وِلِتَعْنُوَ الْوُجُوهُ كُلُّهَا لِوَجْهِي " .