أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلّا عُرِفَ أَنّهُ بَاطِلٌ وَإِنّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ جَاءَ بِقَوْلِ هُوَ سِحْرٌ يُفَرّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتَفْرُقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ لَا يَمُرّ بِهِمْ أَحَدٌ إلّا حَذّرُوهُ إيّاهُ وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلّا إِنّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} الْمُدّثّرِ 11 - 16 أَيْ خَصِيمًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنِيدًا: مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
وَنَحْنُ ضَرّابُونَ رَأْسَ الْعُنّدِ
المدثر 11 - 16 الْآيَاتِ الّتِي نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ وَفِيهَا لَهُ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَنّ مَعْنَى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ} أَيْ دَعْنِي وَإِيّاهُ فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُ بِهِ كَمَا قَالَ {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} الْقَلَمِ 44 وَهِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُغْتَاظُ إذَا اشْتَدّ غَيْظُهُ وَغَضَبُهُ وَكَرِهَ أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ اغْتَاظَ عَلَيْهِ فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَيْ لَا شَفَاعَةَ تَنْفَعُ لِهَذَا الْكَافِرِ وَلَا اسْتِغْفَارَ يَا مُحَمّدٌ مِنْك، وَلَا مِنْ غَيْرِك وَقَوْلُهُ {وَبَنِينَ شُهُوداً} المدثر: 13 أَيْ مُقِيمِينَ مَعَهُ غَيْرَ مُحْتَاجِينَ إلَى الْأَسْفَارِ وَالْغَيْبَةِ عَنْهُ لِأَنّ مَالَهُ مَمْدُودٌ وَالْمَالُ الْمَمْدُودُ عِنْدَهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا {وَمَهّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً} المدثر: 14 أَيْ هَيّأْت لَهُ وَقَدّمْت لَهُ مُقَدّمَاتٍ اسْتِدْرَاجًا لَهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} المدثر: 17 هِيَ عَقَبَةٌ فِي جَهَنّمَ يُقَالُ لَهَا: الصّعُودُ مَسِيرُهَا سَبْعُونَ سَنَةً يُكَلّفُ الْكَافِرُ أَنْ يَصْعَدَهَا، فَإِذَا صَعِدَهَا بَعْدَ عَذَابٍ طَوِيلٍ صُبّ مِنْ أَعْلَاهَا، وَلَا يَتَنَفّسُ ثُمّ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ أَبَدًا، كَذَلِكَ جَاءَ فِي التّفْسِيرِ.