Your donation is urgently needed to keep the server running.
هذا الموقع بحاجة ماسة إلى تبرعاتكم لدعم الخادم
هُوَ شَيْءٌ نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ «١» «مِنَ الصَّالِحِينَ» : أَيْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْخَيْرِ وَالْحَجِّ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ. بَخِلُوا بِهِ أَيْ: بِإِخْرَاجِ حَقِّهِ مِنْهُ، وَكُلُّ بُخْلٍ أُعْقِبَ بِوَعِيدٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فَأَعْقَبَهُمْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، عَاقَبَهُمْ عَلَى الذَّنْبِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلَهُمْ حِينَ نَافَقُوا، وَتَمَكَّنَ مِنْ قُلُوبِهِمْ نِفَاقُهُمْ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْهَا إِلَى أَنْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمْ مَا وَعَدُوا اللَّهَ مِنَ التَّصَدُّقِ وَالصَّلَاحِ وَكَوْنِهِمْ كَاذِبِينَ، وَمِنْهُ خُلْفُ الْمَوْعِدِ ثُلُثُ النِّفَاقِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: خَذَلَهُمْ هُوَ لَفْظُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الضَّمِيرُ فِي فَأَعْقَبَهُمْ لِلْبُخْلِ، أَيْ فَأَوْرَثَهُمُ الْبُخْلَ نِفَاقًا مُتَمَكِّنًا فِي قُلُوبِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: فَأَعْقَبَهُمْ أَيِ الْبُخْلُ وَالتَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِفَاقَ كُفْرٍ، وَيَكُونَ تَقْرِيرُ ثَعْلَبَةَ بَعْدَ هَذَا النَّصِّ وَالْإِبْقَاءِ عَلَيْهِ لِمَكَانِ إِظْهَارِهِ الْإِسْلَامَ، وَتَعَلُّقِهِ بِمَا فِيهِ احْتِمَالٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِفَاقَ مَعْصِيَةٍ وَقِلَّةِ اسْتِقَامَةٍ، فَيَكُونَ تَقْرِيرُهُ صَحِيحًا، وَيَكُونُ تَرْكُ قَبُولِ الزَّكَاةِ مِنْهُ عِقَابًا لَهُ وَنَكَالًا.
وَهَذَا نَحْوُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَامِلًا كَتَبَ إِلَى عمر بن عبد العزيز أَنَّ فُلَانًا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
أَنْ دَعْهُ، وَاجْعَلْ عُقُوبَتَهُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، يُرِيدُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَقْتِ فِي ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي: يَلْقَوْنَهُ، عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: يَلْقَوْنَ الْجَزَاءَ. فَقِيلَ:
جَزَاءَ بُخْلِهِمْ. وَقِيلَ: جَزَاءَ أَفْعَالِهِمْ.
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ: يُكَذِّبُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وَلَفْظَةُ: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا، لَا تَدُلُّ وَلَا تُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لما بخل بالمال وَلَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ صَارَ مُنَافِقًا كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، لِأَنَّ الْمُعَقَّبَ نِفَاقٌ مُتَّصِلٌ إِلَى وَقْتِ الْمُوَافَاةِ، فَهُوَ نِفَاقٌ مُقَيَّدٌ بِغَايَةٍ، وَلَا يَدُلُّ الْمُقَيَّدُ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُطْلَقِ قَبْلَهُ. وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى اللَّهِ فَلَا يَكُونُ اللِّقَاءُ مُتَضَمِّنًا رُؤْيَةَ اللَّهِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِاللِّقَاءِ عَلَى الرُّؤْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ «٢» لَيْسَ بِظَاهِرٍ،
وَلِقَوْلِهِ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ ليقطع حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا لَقِيَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ.
أَلَمْ يَعْلَمُوا هَذَا اسْتِفْهَامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ وَالتَّقْرِيعَ.
وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَسَنُ: تَعْلَمُوا بِالتَّاءِ،
وَهُوَ خِطَابٌ للمؤمنين على سبيل
(١) سورة التوبة: ٩/ ٧٨.
(٢) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٤٤.