سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما يقول: بغير حق، إنما يأكلون في بطونهم نارا يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلما في الدنيا
سَعِيرًا} [النساء: 10] قَالَ: قَالَ أَبِي: إِنَّ «هَذِهِ لِأَهْلِ الشِّرْكِ حِينَ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَهُمْ وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلَا، وَالصَّلَا: الِاصْطِلَاءُ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ التَّسَخُّنُ بِهَا، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
[البحر الطويل]
وَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أَهْلِهِ ... لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلَا مُتَكَنِّفُ
وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
[البحر الرجز]
وَصَالِيَانِ لِلصَّلَا صُلِيُّ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ بَاشَرَ بِيَدِهِ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ، مِنْ حَرْبٍ أَوْ قِتَالٍ أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ ... وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِي
فَجَعَلَ مَا بَاشَرَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ وِإِجْرَاءِ الْقِتَالِ، بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ أَذَى النَّارِ وَحَرِّهَا. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأْتُهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى التَّأْوِيلَ الَّذِي قُلْنَا."