سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا قد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يخلفون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرم الله تبارك وتعالى عليهم المقام عليهن، وعفا لهم
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] الْآيَةَ، يَقُولُ: «كُلَّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا أَبُوكَ وَابْنُكَ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَهِيَ عَلَيْكَ حَرَامٌ» وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وَقَالُوا: هُوَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوا نِكَاحَ آبَائِكُمْ، بِمَعْنَى: وَلَا تَنْكِحُوا [ص: 551] كَنِكَاحِهِمْ كَمَا نَكَحُوا عَلَى الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ مِثْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] يَعْنِي أَنَّ نِكَاحَ آبَائِكُمُ الَّذِي كَانُوا يَنْكِحُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنْ نِكَاحٍ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مُعْفُوًّ لَكُمْ عَنْهُ. وَقَالُوا: قَوْلُهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ: لَا تَفْعَلْ مَا فَعَلْتُ، وَلَا تَأْكُلْ مَا أَكَلْتُ بِمَعْنَى: وَلَا تَأْكُلْ كَمَا أَكَلْتُ، وَلَا تَفْعَلْ كَمَا فَعَلْتُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ كَانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهِ الزِّنَا عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ نِكَاحَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ كَانَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَلَائِلُ، وَإِنَّمَا مَا كَانَ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْهُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا"