سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: فإذا أحصن اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه بعضهم: (فإذا أحصن) , بفتح الألف , بمعنى: إذا أسلمن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام وقرأه آخرون: فإذا أحصن بمعنى: فإذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج قال
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا: حَدَّثَكُمْ بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ: «اجْلِدْهَا , فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدْهَا , فَإِنْ زَنَتْ فَاجْلِدْهَا , فَإِنْ زَنَتْ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» وَالضَّفِيرُ: الشَّعْرُ \" [ص: 607] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي وَجَبَ إِقَامَتُهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِمَاءِ هُوَ مَا كَانَ قَبْلَ إِحْصَانِهِنَّ؛ فَأَمَّا مَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ بِالْكِتَابِ , فَبَعْدَ إِحْصَانِهِنَّ؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي الْإِحْصَانِ: الْإِسْلَامُ , وَأَنَّ الْآخَرَ مِنْهُ التَّزْوِيجُ وَأَنَّ الْإِحْصَانَ كَلِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى , وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ تُحْصَنَ بَيَانُ أَنَّ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الَّتِي تَزْنِي قَبْلَ التَّزْوِيجِ , فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةٌ لِمُحْتَجٍّ فِي أَنَّ الْإِحْصَانَ الَّذِي سَنَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدُّ الْإِمَاءِ فِي الزِّنَا هُوَ الْإِسْلَامُ دُونَ التَّزْوِيجِ , وَلَا أَنَّهُ هُوَ التَّزْوِيجُ دُونَ الْإِسْلَامِ. وَإِذْ كَانَ لَا بَيَانَ فِي ذَلِكَ , فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ , أَنَّ كُلَّ مَمْلُوكَةٍ زَنَتْ فَوَاجِبٌ عَلَى مَوْلَاهَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا , مُتَزَوِّجَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ , لِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ وَالثَّابِتِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ بِهِ صِحَّةُ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ [ص: 608] يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] مَعْنَاهُ: تَزَوَّجْنَ , إِذْ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ وَصْفِهِنَّ بِالْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] وَحَسِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى التَّزْوِيجِ , مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِنَّ بِالْإِيمَانِ , فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ , فَإِذَا هُنَّ آمَنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ , فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ , فَيَكُونُ الْخَبَرُ بَيَانًا عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَدِّ إِذَا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ بَعْدَ إِيمَانِهِنَّ بَعْدَ الْبَيَانِ عَمَّا لَا يَجُوزُ لِنَاكِحِهِنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِكَاحِهِنَّ , وَعَمَّنْ يَجُوزُ نِكَاحُهُ لَهُ مِنْهُنَّ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ فِي الْكَلَامِ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ صَرْفُ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّهُ التَّزْوِيجُ دُونَ الْإِسْلَامِ , مِنْ أَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ إِيَّاهُنَّ بِالْإِيمَانِ غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ نَخْتَارُ لِمَنْ قَرَأَ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ , بِفَتْحِ الصَّادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَقْرَأَ {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} [النساء: 25] بِضَمِّ الْأَلِفِ , وَلِمَنْ قَرَأَ: مُحْصِنَاتٍ , بِكَسْرِ الصَّادِ فِيهِ , أَنْ يَقْرَأَ: فَإِذَا أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْأَلِفِ , لِتَأْتَلِفَ قِرَاءَةُ الْقَارِئِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَسِيَاقٍ وَاحِدٍ , لِقُرْبِ قَوْلِهِ: {مُحْصَنَاتٍ} [النساء: 25] مِنْ قَوْلِهِ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] وَلَوْ خَالَفَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَحْنًا , غَيْرَ أَنَّ وَجْهَ الْقِرَاءَةِ مَا وَصَفْتُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ نَظِيرَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] فَإِذَا أَسْلَمْنَ \"""