سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله يعني بقوله جل ثناؤه: فالصالحات المستقيمات الدين , العاملات بالخير. كما:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَبَّانُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] قَالَ: «بِحِفْظِ اللَّهِ إِيَّاهَا أَنَّهُ جَعَلَهَا كَذَلِكَ» وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ الْمَدَنِيُّ: «بِمَا حَفِظَ اللَّهَ» يَعْنِي: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِ , وَأَدَاءِ حَقِّهِ بِمَا أَمَرَهُنَّ مِنْ حِفْظِ غَيْبِ أَزْوَاجِهِنَّ , كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: مَا حَفِظْتَ اللَّهَ فِي كَذَا وَكَذَا , بِمَعْنَى: رَاقَبْتَهُ وَلَاحَظْتَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ قِرَاءَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَجِيئًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ وَيُثْبِتُ عَلَيْهِ حُجَّتَهُ , دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ [ص: 695] فَشَذَّ عَنْهُمْ , وَتِلْكَ الْقِرَاءَةُ تَرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] مَعَ صِحَّةِ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ , وَقُبْحُ نَصْبِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَنْطِقِ الْعَرَبِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَحْذِفُ الْفَاعِلَ مَعَ الْمَصَادِرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْفَاعِلَ إِذَا حُذِفَ مَعَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْفِعْلِ صَاحِبٌ مَعْرُوفٌ. وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ وَمَعْنَاهُ: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ وَأَصْلِحُوا , وَكَذَلِكَ هُوَ فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ"