سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا يعني بقوله جل ثناؤه: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك فجاهد يا محمد أعداء الله من أهل الشرك به في سبيل الله ,
فَجَاهِدْ يَا مُحَمَّدُ أَعْدَاءَ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , يَعْنِي: فِي دِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكَ , وَهُوَ الْإِسْلَامُ , وَقَاتِلْهُمْ فِيهِ بِنَفْسِكَ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَا يُكَلِّفُكَ اللَّهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكَ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكَ , إِلَّا مَا حَمَّلَكَ مِنْ ذَلِكَ دُونَ مَا حَمَّلَ غَيْرَكَ مِنْهُ: أَيْ إِنَّكَ إِنَّمَا تُتْبَعُ بِمَا اكْتَسَبْتَهُ دُونَ مَا اكْتَسَبَهُ غَيْرُكَ , وَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَا كُلِّفْتَهُ دُونَ مَا كُلِّفَهُ غَيْرُكَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84] يَعْنِي: \" وَحُضَّهُمْ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ مَعَكَ. {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 84] يَقُولُ: \"" لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُفَّ قِتَالَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَحَدَ وَحْدَانِيَّتَهُ , وَأَنْكَرَ رِسَالَتَكَ عَنْكَ وَعَنْهُمْ وَنِكَايَتَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84] يَقُولُ: \"" وَاللَّهُ أَشَدُّ نِكَايَةً فِي عَدُوِّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْهُمْ فِيكَ يَا مُحَمَّدُ وَفِي أَصْحَابِكَ , فَلَا تَنْكُلَنَّ عَنْ قِتَالِهِمْ , فَإِنِّي رَاصِدُهُمْ بِالْبَأْسِ وَالنِّكَايَةِ وَالتَّنْكِيلِ وَالْعُقُوبَةِ , لَأُوهِنَ كَيْدَهُمْ وَأُضْعِفَ بَأْسَهُمْ وَأُعْلِيَ الْحَقَّ عَلَيْهِمْ. وَالتَّنْكِيلُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَكَّلْتُ بِفُلَانٍ , فَأَنَا أُنَكِّلُ بِهِ تَنْكِيلًا: إِذَا أَوْجَعْتُهُ عُقُوبَةً."