سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: أنهم ملاقو ربهم قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم فأضيف الملاقون إلى الرب جل ثناؤه وقد علمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يلقون ربهم؟ وإذا كان المعنى كذلك، فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون،
بِنَصْبِ الْعَوْرَةِ وَخَفْضِهَا. فَالْخَفْضُ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالنَّصْبُ عَلَى حَذْفِ النُّونِ اسْتِثْقَالًا، وَهِيَ مُرَادَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ. وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: جَائِزٌ فِي {مُلَاقُو} [البقرة: 46] الْإِضَافَةُ، وَهِيَ فِي مَعْنَى يَلْقَوْنَ، وَإِسْقَاطُ النُّونِ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي لَفْظِ الْأَسْمَاءِ، فَلَهُ فِي الْإِضَافَةِ إِلَى الْأَسْمَاءِ حَظٌّ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ كَانَ نَظِيرًا. قَالُوا: وَإِذَا أَثْبَتَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النُّونَ وَتَرَكْتَ الْإِضَافَةَ، فَإِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ لِأَنَّ لَهُ مَعْنَى يَفْعَلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَجِبْ بَعْدُ. قَالُوا: فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلَفْظٍ، وَتَرْكُ الْإِضَافَةِ لِلْمَعْنَى. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَاسْتَعِينُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِي بِالصَّبِرِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَائِفِينَ عِقَابِي، الْمُتَوَاضِعِينَ لِأَمْرِي، الْمُوقِنِينَ بِلِقَائِي وَالرُّجُوعِ إِلَيَّ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ. وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ كَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ غَيْرَ مُوقِنٍ بِمَعَادٍ وَلَا مُصَدِّقٍ بِمَرْجِعٍ وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، فَالصَّلَاةُ عِنْدَهُ عَنَاءٌ وَضَلَالٌ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجُو بِإِقَامَتِهَا إِدْرَاكَ نَفْعٍ وَلَا دَفْعَ ضَرٍّ، وَحَقٌّ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَتَهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَبِيرَةً، وَإِقَامَتُهَا عَلَيْهِ ثَقِيلَةً، وَلَهُ فَادِحَةً. وَإِنَّمَا خَفَّتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِلِقَاءِ اللَّهِ، الرَّاجِينَ عَلَيْهَا جَزِيلَ ثَوَابِهِ، الْخَائِفِينَ بِتَضْيِيعِهَا أَلِيمَ عِقَابِهِ، لِمَا يَرْجُونَ بِإِقَامَتِهَا فِي مَعَادِهِمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَهْلَهَا، وَلِمَا يَحْذَرُونَ بِتَضْيِيعِهَا مَا أَوْعَدَ مُضَيِّعَهَا. فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَحْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ مُقِيمِيهَا الرَّاجِينَ ثَوَابَهَا إِذَا كَانُوا أَهْلَ يَقِينٍ بِأَنَّهُمْ إِلَى اللَّهِ رَاجِعُونَ وَإِيَّاهُ فِي الْقِيَامَةِ مُلَاقُونَ