سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما يعني بقوله جل ثناؤه: درجات منه فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة. واختلف أهل التأويل في معنى الدرجات التي قال جل ثناؤه درجات منه
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ , قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ [ص: 378] حَسَّانَ , عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ , عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ , فِي قَوْلِهِ: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ} [النساء: 95] إِلَى قَوْلِهِ: {دَرَجَاتٍ} [النساء: 96] قَالَ: \"" الدَّرَجَاتُ: سَبْعُونَ دَرَجَةً , مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً \"" وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء: 96] أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ , كَمَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء: 96] تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ: {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتِ الدَّرَجَاتُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ تَرْجَمَةً عَنْهُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلٍ مِنْ وَجْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء: 96] إِلَى الْأَعْمَالِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ الصَّحِيحُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا , فَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ. أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا , وَهُوَ دَرَجَاتٌ أَعْطَاهُمُوهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ , [ص: 379] رَفَعَهُمْ بِهَا عَلَى الْقَاعِدِينَ بِمَا أَبْلَوْا فِي ذَاتِ اللَّهِ. {وَمَغْفِرَةً} [البقرة: 263] يَقُولُ: \"" وَصَفَحَ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمْ , فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَيْهَا. {وَرَحْمَةً} [النساء: 96] يَقُولُ: \"" وَرَأْفَةً بِهِمْ. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] يَقُولُ: \"" وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ غَفُورًا لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ , فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا {رَحِيمًا} [النساء: 16] بِهِمْ , يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَهِ , مَعَ خِلَافِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَرُكُوبِهِمْ مَعَاصِيَهُ"