سورة البقرة
وتأويل قوله: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويله: واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا، كما قال الراجز: قد صبحت صبحها السلام بكبد خالطها سنام في ساعة يحبها الطعام وهو يعني: يحب فيها
لَا تَقْضِي عَنْهَا شَيْئًا لَزِمَهَا لِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَالِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا وَصَفْنَا. وَكَيْفَ يَقْضِي عَنْ غَيْرِهِ مَا لَزِمَهُ مَنْ كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ، فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَافَى لَهُ عَنْهُ؟ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] لَا تَجْزِي مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَكَانَهَا. وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا، بِمَعْنَى: مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا. فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ} [البقرة: 48] كَمَا يُقَالُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا: وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ