سورة النساء
ذكر من قال: كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته , ثم تقضي ما بقي عليها بعد:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ , قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ , فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ , فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غِرَّةً. ولَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً. فَأَنْزَلَ [ص: 441] اللَّهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ , فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ , يَعْنِي فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِرْقَةٌ تُصَلِّي خَلْفَهُمْ يَحْرُسُونَهُمْ , ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا وَرَكَعُوا جَمِيعًا , ثُمَّ سَجَدَ بِالَّذِينَ يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَامَ فَتَقَدَّمَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا , ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ بِهِمْ جَمِيعًا , ثُمَّ سَجَدَ بِالَّذِينَ يَلُونَهُ حَتَّى تَأَخَّرَ هَؤُلَاءِ فَقَامُوا فِي مَصَافِّ أَصْحَابِهِمْ , ثُمَّ تَقَدَّمَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا , ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ فَكَانَتْ لِكُلِّهِمْ رَكْعَتَيْنِ مَعَ إِمَامِهِمْ. وصَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فِي أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ \"" قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ , وَرَوَوْا هَذِهِ الرِّوَايَةَ: وَإِذَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ فِيهِمْ , يَعْنِي فِي أَصْحَابِكَ خَائِفًا , فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ , فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ؛ يَعْنِي مِمَّنْ دَخَلَ مَعَكَ فِي صَلَاتِكَ , {فَإِذَا سَجَدُوا} [النساء: 102] يَقُولُ: \"" فَإِذَا سَجَدَتْ هَذِهِ الطَائِفَةُ بِسُجُودِكَ , وَرَفَعَتْ رُءُوسَهَا مِنْ سُجُودِهَا {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] يَقُولُ: \"" فَلْيَصِرْ مَنْ خَلْفَكَ , خَلْفَ الطَائِفَةِ الَّتِي حَرَسَتْكَ وَإِيَّاهُمْ إِذَا سَجَدْتَ بِهِمْ وَسَجَدُوا مَعَكَ {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} [النساء: 102] يَعْنِي الطَائِفَةَ الْحَارِسَةَ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَسْجُدْ بِسُجُودِهِ , فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {لَمْ يُصَلُّوا} [النساء: 102] عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ: لَمْ [ص: 442] يَسْجُدُوا بِسُجُودِكَ: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] يَقُولُ: \"" فَلْيَسْجُدُوا بِسُجُودِكَ إِذَا سَجَدْتَ , وَيَحْرُسُكَ وَإِيَّاهُمُ الَّذِينَ سَجَدُوا بِسُجُودِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] يَعْنِي الْحَارِسَةَ. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِذَا سَجَدَتِ الطَائِفَةُ الَّتِي قَامَتْ مَعَكَ فِي صَلَاتِهَا {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] يَعْنِي مِنْ خَلْفِكَ وَخَلْفِ مَنْ يَدْخُلُ فِي صَلَاتِكَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاتِهَا {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى} [النساء: 102] وَهِيَ الطَائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا , يَقُولُ: لَمْ يُصَلُّوا مَعَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] يَقُولُ: \"" فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْكَ {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ مَا يَفْرُغُونَ مِنْ صَلَاتِهِمْ؛ وَذَلِكَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ , وَالْخَبَرِ الَّذِي رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبَى حَثْمَةَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةَ , لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَالَ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102] وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ إِقَامَتَهَا إِتْمَامُهَا بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا , وَدَلَّلْنَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] إِنَّمَا هُوَ إِذْنٌ بِالْقَصْرِ مِنْ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ. [ص: 443] فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنْ لَا وَجْهَ لِتَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّ الطَائِفَةَ الْأُولَى إِذَا سَجَدَتْ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدِ انْقَضَتْ صَلَاتُهَا , لِقَوْلِهِ: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي مَا ذَكَرْتُ قَبْلُ , وَلِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا عَنَى بِهِ الْقَصْرَ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَإِذْ كَانَ لَا وَجْهَ لِذَلِكَ , فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ أَبْعَدُ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] وَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ كَانَتْ صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَهُ الْأُولَى فِي صَلَاتِهِ بِعُسْفَانَ , وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَهُ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: {لَمْ يُصَلُّوا} [النساء: 102] لَمْ يَسْجُدُوا , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الظَّاهِرِ الْمَفْهُومِ مِنْ مَعَانِي الصَّلَاةِ , وَإِنَّمَا تُوَجَّهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى الْأَظْهَرِ وَالْأَشْهَرِ مِنْ وُجُوهِهِمَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلطَائِفَةِ الْأُولَى بِتَأْخِيرِ قَضَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ صَلَاتِهَا إِلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ , وَلَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فِي اشْتِغَالِهَا بِقَضَاءِ ذَلِكَ ضَرَرٌ , لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهَا بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ وَانْصِرَافِهَا قَبْلَ قَضَاءِ بَاقِي صَلَاتِهَا عَنْ مَوْضِعِهَا مَعْنًى. [ص: 444] غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّا نَرَى أَنَّ مَنْ صَلَاهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ فَوَافَقَتْ صَلَاتُهُ بَعْضَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَاهَا , فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ تَامَّةٌ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ بِكُلِّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمُ الْعَمَلَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءُوا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء: 102] فَإِنَّهُ يَعْنِي: تَمَنَّى الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ , لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ , يَقُولُ: لَوْ تَشْتَغِلُونَ بِصَلَاتِكُمْ عَنْ أَسْلِحَتِكُمُ الَّتِي تُقَاتِلُونَهُمْ بِهَا , وَعَنْ أَمْتِعَتِكُمُ الَّتِي بِهَا بَلَاغُكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ فَتَسْهَوْنَ عَنْهَا. {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102] يَقُولُ: \"" فَيَحْمِلُونَ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَشَاغِيلُ بِصَلَاتِكُمْ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً , فَيُصِيبُونَ مِنْكُمْ غِرَّةً بِذَلِكَ فَيَقْتُلُونَكُمْ , وَيَسْتَبِيحُونَ عَسْكَرَكُمْ. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَلَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا , فَتَشْتَغِلُوا جَمِيعَكُمْ بِصَلَاتِكُمْ إِذَا حَضَرَتْكُمْ صَلَاتُكُمْ وَأَنْتُمْ مُوَاقِفُو الْعَدُوَّ , فَتُمَكِّنُوا عَدُوَّكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ وَلَكِنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ عَلَى مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ , وَخُذُوا مِنْ عَدُوِّكِمْ حِذْرَكُمْ وَأَسْلِحَتَكُمْ"