سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا يعني بذلك جل ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون
وَإِيَّاكُمْ} [النساء: 131] يَقُولُ: وَلَقَدْ أَمَرْنَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِيَّاكُمْ , يَقُولُ: وَأَمَرْنَاكُمْ وَقُلْنَا لَكُمْ وَلَهُمْ: {اتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 278] يَقُولُ: احْذَرُوا أَنْ تَعْصَوْهُ وَتُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ , {وَإِنْ تَكْفُرُوا} [النساء: 131] يَقُولُ: وَإِنْ تَجْحَدُوا وَصِيَّتَهُ إِيَّاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَتُخَالِفُوهَا {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يَقُولُ: فَإِنَّكُمْ لَا تَضُرُّونُ بِخِلَافِكُمْ وَصِيَّتَهُ غَيْرَ أَنْفُسِكُمْ , وَلَا تَعْدُونَ فِي كُفْرِكُمْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي نُزُولِ عُقُوبَتِهِ بِكُمْ وَحُلُولِ غَضَبِهِ عَلَيْكُمْ كَمَا حَلَّ بِهِمْ , إِذْ بَدَّلُوا عَهْدَهُ وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ , فَغَيَّرَ بِهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْضِ الْعَيْشِ وَأَمْنِ السِّرْبِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مُلْكَ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ بِجَمِيعِهِ وَبِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ إِعْزَازِ مَنْ أَرَادَ إِعْزَازَهُ وَإِذْلَالِ مَنْ أَرَادَ إِذْلَالَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا , لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ بِهِمْ إِلَيْهِ الْفَاقَةُ وَالْحَاجَةُ , وَبِهِ قَوَامُهُمْ وَبَقَاؤُهُمْ وَهَلَاكُهُمْ وَفَنَاؤُهُمْ , وَهُوَ الْغَنِيُّ الَّذِي لَا حَاجَةَ تَحِلُّ بِهِ إِلَى شَيْءٍ وَلَا فَاقَةَ تَنْزِلِ بِهِ تَضْطَرُّهُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا إِلَى غَيْرِكُمْ , وَالْحَمِيدُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْحَمْدَ بِصَنَائِعِهِ الْحَمِيدَةِ إِلَيْكُمْ وَآلَائِهِ الْجَمِيلَةِ لَدَيْكُمْ , فَاسْتَدِيمُوا ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ بِاتِّقَائِهِ , وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ. كَمَا: