سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا وهذا تقدم من الله تعالى
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135] الْآيَةُ , هَذَا فِي الشَّهَادَةِ , فَأَقِمِ الشَّهَادَةَ يَا ابْنَ آدَمَ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ , أَوِ الْوَالِدَيْنِ , أَوْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِكَ , أَوْ أَشْرَافِ قَوْمِكَ , فَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ لِلَّهِ وَلَيْسَتْ لِلنَّاسٍ , وَإِنَّ اللَّهَ رَضِيَ الْعَدْلَ لِنَفْسِهِ؛ وَالْإِقْسَاطُ وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , بِهِ يَرُدُّ اللَّهُ مِنَ الشَّدِيدِ عَلَى الضَّعِيفِ , مِنَ الْكَاذِبِ عَلَى الصَّادِقِ , وَمِنَ الْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ , وَبِالْعَدْلِ يُصَدَّقُ الصَّادِقُ , وَيُكَذَّبُ الْكَاذِبُ , وَيُرَدُّ الْمُعْتَدِي , وَيُوَبِّخُهُ تَعَالَى رَبُّنَا وَتَبَارَكَ , وَبِالْعَدْلِ يَصْلُحُ النَّاسُ. يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا , يَقُولُ: أَوْلَى بِغَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ. قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ [ص: 588] أَيَّ شَيْءٍ وَضَعْتَ فِي الْأَرْضِ أَقَلَّ؟ قَالَ: «الْعَدْلُ أَقَلُّ مَا وَضَعْتُ فِي الْأَرْضِ , فَلَا يَمْنَعُكَ غِنَى غَنِيٍّ وَلَا فَقْرُ فَقِيرٍ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ» . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135] وَقَدْ قِيلَ: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} [النساء: 135] الْآيَةُ , أُرِيدَ: فَاللَّهُ أَوْلَى بِغِنَى الْغَنِيِّ وَفَقْرِ الْفَقِيرِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ , فَلِذَلِكَ قَالَ {بِهِمَا} [النساء: 135] , وَلَمْ يَقُلْ: بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ {بِهِمَا} [النساء: 135] لِأَنَّهُ قَالَ: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} [النساء: 135] فَلَمْ يَقْصِدَ فَقِيرًا بِعَيْنِهِ وَلَا غَنِيًّا بِعَيْنِهِ , وَهُوَ مَجْهُولٌ , وَإِذَا كَانَ مَجْهُولًا جَازَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ. وذَكَرَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ» . وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ آخَرُونَ: جَازَ تَثْنِيَةُ قَوْلِهِ {بِهِمَا} [النساء: 135] , لِأَنَّهُمَا قَدْ ذُكِرَا كَمَا قِيلَ: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} [النساء: 12] وَقِيلَ: جَازَ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ مَنْ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ يَكُنْ مَنْ خَاصَمَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , بِمَعْنَى: غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ , فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا. وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} [النساء: 135] أَيْ عَنِ الْحَقِّ , فَتَجُورُوا بِتَرْكِ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ [ص: 589] بِالْحَقِّ. وَلَوْ وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ هَرَبًا مِنْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ كَانَ وَجْهًا. وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا , كَمَا يُقَالَ: لَا تَتَّبِعْ هَوَاكَ لِتُرْضِيَ رَبَّكَ , بِمَعْنَى: أَنْهَاكَ عَنْهُ كَمَا تُرْضِي رَبَّكَ بِتَرْكِهِ"