سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا اختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني بعيسى قبل موته يعني: قبل موت عيسى , يوجه ذلك إلى أن جميعهم
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثني يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ , وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيُّ. وَإِنَّهُ نَازِلٌ , فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ , فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ , سَبْطُ الشَّعْرِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ , بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ , فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ , وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ , وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ , وَيَفِيضُ الْمَالُ , وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلِ كُلَّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ , وَيُهْلِكَ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ الْكَذَّابَ الدَّجَّالَ , وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ فِي الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأَسْوَدُ مَعَ الْإِبِلِ وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ , وَتَلْعَبُ الْغِلْمَانُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , ثُمَّ يَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ اللَّهُ» وَرُبَّمَا قَالَ: «أَرْبَعِينَ سَنَةً , ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ» وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] لَيُؤْمِنَنَّ [ص: 675] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ , فَمِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ فَسَادِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ: لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ , يَزِيدُهُ فَسَادًا أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ ذِكْرٌ , فَيَجُوزُ صَرْفُ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159] إِلَى أَنَّهَا مِنْ ذِكْرِهِ , وَإِنَّمَا قَوْلُهُ: {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159] فِي سِيَاقِ ذِكْرِ عِيسَى وَأُمِّهِ وَالْيَهُودِ , فَغَيْرُ جَائِزٍ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا هُوَ فِي سِيَاقِهِ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَوْ خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ فَأَمَّا الدَّعَاوَى فَلَا تَتَعَذَّرُ عَلَى أَحَدٍ. فتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا مَنْ لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى , وَحَذَفَ مِنْ بَعْدَ إِلَّا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ , فَاسْتَغْنَى بِدَلَالَتِهِ عَنْ إِظْهَارِهِ كَسَائِرِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثَالِهِ الَّتِي قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْهَا"