سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما هذا من الله جل ثناؤه استثناء , استثنى من أهل الكتاب من اليهود
ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ , مُبَيِّنًا لَهُمْ حُكْمَ مَنْ قَدْ هَدَاهُ لِدِينِهِ مِنْهُمْ وَوَفَّقَهُ لِرُشْدِهِ: مَا كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ صِفَتُهُمُ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكُمْ {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162] وَهُمُ الَّذِينَ قَدْ رَسَخُوا فِي الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا أَنْبِيَاؤُهُ , وَأَتْقَنُوا ذَلِكَ , وَعَرَفُوا حَقِيقَتَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. {وَالْمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285] يَعْنِي: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ , وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ , وَبِالْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ , وَلَا يَسْأَلُونَكَ كَمَا سَأَلَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ مِنْهُمْ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ , لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِمَا قَرَءُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَتَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ , أَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُكَ , لَا يَسَعُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ , فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى أَنْ يَسْأَلُوكَ آيَةً مُعْجِزَةً , وَلَا دَلَالَةَ غَيْرُ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا مِنْ أَمْرِكَ بِالْعِلْمِ الرَّاسِخِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ أَخْبَارِ أَنْبِيَائِهِمْ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ وَبِمَا أَعْطَيْتُكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ , فَهُمْ لِذَلِكَ مِنْ عِلْمِهِمْ وَرُسُوخِهِمْ فِيهِ {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4] مِنَ الْكِتَابِ {وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ. كَمَا: