سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به حتى نرى الله جهرة عيانا، برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: \" {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] أَيْ عِيَانًا \"" [ص: 689] فَذَكَّرَهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ اخْتِلَافَ آبَائِهِمْ وَسُوءَ اسْتِقَامَةِ أَسْلَافِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ مُعَايَنَتِهِمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعِبَرِهِ مَا تُثْلَجْ بِأَقَلِّهَا الصُّدُورُ، وَتَطْمَئِنُّ بِالتَّصْدِيقِ مَعَهَا النُّفُوسُ؛ وَذَلِكَ مَعَ تَتَابُعِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وَسُبُوغِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ لَدَيْهِمْ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَرَّةً يَسْأَلُونَ نَبِيَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ وَمَرَّةً يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَرَّةً يَقُولُونَ لَا نُصَدِّقُكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، وَأُخْرَى يَقُولُونَ لَهُ إِذَا دُعُوا إِلَى الْقِتَالِ: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] وَمَرَّةً يُقَالُ لَهُمْ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ} [الأعراف: 161] فَيَقُولُونَ: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ، وَيَدْخُلُونَ الْبَابَ مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ، مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي آذَوْا بِهَا نَبِيَّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي يَكْثُرُ إِحْصَاؤُهَا. فَأَعْلَمَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وَتَرْكِهِمُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ كَأَسْلَافِهِمْ وَآبَائِهِمْ الَّذِينَ فَصَّلَ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُمْ فِي ارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَوَثُّبِهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى، مَعَ عَظِيمِ بَلَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عِنْدَهُمْ وَسُبُوغِ آلَائِهِ عَلَيْهِمْ"