سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: وامسحوا برءوسكم اختلف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله: وامسحوا برءوسكم فقال بعضهم: وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة
بِمَسْحِهِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ , فَقَدْ أَدَّى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَسْحِ ذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِيمَا لَزِمَهُ اسْمُ مَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [النساء: 43] أَفَيُجْزِئُ الْمَسْحُ بِبَعْضِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ؟ قِيلَ لَهُ: كُلُّ مَا مُسِحَ مِنْ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ فِيمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّيَمُّمِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ , فَهُوَ مُجْزِئُهُ , لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَاسِحِينَ بِهِ. وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئُهُ , فَمُسَلَّمٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ نَقْلًا عَنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ إِذْ كَانَ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّ مَا جَاءَ فِي آي الْكِتَابِ عَامًّا فِي مَعْنًى فَالْوَاجِبُ الْحُكْمُ بِهِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَخُصَّهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ , فَإِذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا خُصَّ مِنْهُ خَارِجًا مِنْ ظَاهِرِهِ , وَحُكْمُ سَائِرِهِ عَلَى الْعُمُومِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالرَّأْسُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ بِهِ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} هُوَ مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ دُونَ مَا جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى الْقَفَا مِمَّا اسْتُدْبِرَ , وَدُونَ مَا انْحَدَرَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَقْبَلَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ إِلَى الْجَبْهَةِ