سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا محمد تطلع من اليهود الذين أنبأتك نبأهم من نقضهم ميثاقي , ونكثهم عهدي , مع أيادي عندهم , ونعمتي عليهم , على مثل ذلك من
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: قَوْلُهُ: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: 13] مِنْ يَهُودَ , مِثْلُ [ص: 254] الَّذِي هَمُّوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ \"" وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنٍ مِنْهُمْ , قَالَ: وَالْعَرَبُ تَزِيدُ الْهَاءَ فِي آخِرِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ: هُوَ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ , وَرَجُلٌ عَلَّامَةٌ , وَأَنْشَدَ:
[البحر الكامل]
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ ... لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْأَصْبَعِ
فَقَالَ: خَائِنَةً , وَهُوَ يُخَاطِبُ رَجُلًاوَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَوْمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ , إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ , فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَا قَدْ هَمُّوا بِهِ. ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَخْبَارَ أَوَائِلِهِمْ وَإِعْلَامِهِ مَنْهَجَ أَسْلَافِهِمْ وَأَنَّ آخِرَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ فِي الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ , لِئَلَّا يَكْبُرَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى خِيَانَةٍ وَغَدْرٍ وَنَقْضِ عَهْدٍ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطَّلِعُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ خَائِنٍ , وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ ابْتُدِئَ بِهِ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ , فَقِيلَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} , ثُمَّ قِيلَ: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: 13] فَإِذْ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَلْتُخْتَمْ بِالْجَمَاعَةِ أَوْلَى"