سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب , فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] الْمَنُّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَرُ وَالْغَمَامُ \" وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ , خِطَابٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ , حَيْثُ جَاءَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 20] وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ. وَلَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] مَصْرُوفٌ عَنْ خِطَابِ الَّذِينَ ابْتُدِئَ بِخِطَابِهِمْ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا لَهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَصْرُوفٌ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ , إِذْ كَانَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ نَبِيَّهَا [ص: 284] عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُحَمَّدًا , مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا غَيْرَهُمْ , وَهُمْ مِنَ الْعَالَمِينَ؛ فَقَدْ ظَنَّ غَيْرَ الصَّوَابِ , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] خِطَابٌ مِنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ يَوْمَئِذٍ , وَعَنَى بِذَلِكَ عَالِمِي زَمَانِهِ لَا عَالِمِي كُلِّ زَمَانٍ , وَلَمْ يَكُنْ أُوتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ نِعِمِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ مَا أُوتِيَ قَوْمُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ , فَخَرَجَ الْكَلَامُ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لَا عَلَى جَمِيعِ كُلِّ زَمَانٍ"