سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل , إذ أمرهم عن أمر الله عز ذكره إياه بدخول الأرض المقدسة , أنه قال لهم: امضوا أيها القوم لأمر الله الذي أمركم به من
لَا تَرْجِعُوا الْقَهْقَرَى مُرْتَدِّينَ {عَلَى أَدْبَارِكُمْ} [المائدة: 21] يَعْنِي: \" إِلَى وَرَائِكُمْ , وَلَكِنِ امْضُوا قُدُمًا لِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِقِتَالِهِمْ وَالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ فِي أَرْضِهِمْ , وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَتَبَهَا لَكُمْ مَسْكَنًا وَقَرَارًا. وَيَعْنِي بَقَوْلِهِ: {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149] أَنَّكُمْ تَنْصَرِفُوا خَائِبِينَ هَكَذَا، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخُسَارَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ وَجْهُ قِيلِ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ؟ أَوْ يَسْتَوْجِبُ الْخَسَارَةَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ أَرْضًا جُعِلَتْ لَهُ؟ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ كَانَ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ دُخُولَهَا , فَاسْتَوْجَبَ الْقَوْمُ الْخَسَارَةَ بِتَرْكِهِمْ. إِذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَضْيِيعُ فَرْضِ الْجِهَادِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ. وَالثَّانِي: خِلَافُهُمْ أَمْرَ اللَّهِ فِي تَرْكِهِمْ دُخُولَ الْأَرْضِ , وَقَوْلُهُمْ لِنَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22]"