سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصالحين من قوم موسى: يوشع بن نون , وكالب بن يوفنا , أنهما وفيا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] قَالَ: \" هِيَ مَدِينَةُ الْجَبَّارِينَ , لَمَّا نَزَلَ بِهَا مُوسَى وَقَوْمُهُ , بَعَثَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا , وَهُمُ النُّقَبَاءُ الَّذِينَ ذَكَرَ نِعَتَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ. فسَارُوا , فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ , فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ , فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمُ الْمَدِينَةَ , وَنَادَى فِي قَوْمِهِ , فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ , فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسَى , بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكُمْ , فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّةً مِنْ عِنَبٍ بِوِقْرِ الرَّجُلِ , فَقَالُوا لَهُمْ: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ , فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْرَ فَاكِهَتِهِمْ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ , قَالُوا لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23] وَكَانَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَسْلَمَا وَاتَّبَعَا مُوسَى وَهَارُونَ , فَقَالَا لِمُوسَى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ [ص: 299] فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلِ لَمْ يَكْتُمْ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا أَحَدًا مَا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِكِتْمَانِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّا رَأَوْا وَعَايَنُوا مِنْ عِظَمِ أَجْسَامِ الْجَبَابِرَةِ وَشِدَّةِ بَطْشِهِمْ وَعَجِيبِ أُمُورِهِمْ , بَلْ أَفْشَوْا ذَلِكَ كُلَّهُ. وَإِنَّمَا الْقَائِلُ لِلْقَوْمِ وَلِمُوسَى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ , رَجُلَانِ مِنْ أَوْلَادِ الَّذِينَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَخَافُونَهُمْ وَيَرْهَبُونَ الدُّخُولَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَبَابِرَةِ , كَانَ أَسْلَمَا وَتَبِعَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا , قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23] لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهَا , وَأَنَّ مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْهُمْ فَحُجَّةٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا , وَمَا انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ فَجَائِزٌ فِيهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ. ثُمَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى أَنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُمَا يُوشَعُ وَكِلَابٌ , مَا أَغْنَى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّةِ الْقِرَاءَةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ فِي ذَلِكَ وَفَسَادِ غَيْرِهِ , وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِهَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَانْتِهَائِهِمْ إِلَى أَمْرِهِ , وَالِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْ إِفْشَاءِ مَا عَايَنَا مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ الْجَبَّارِينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي حَذَّرَ عَنْهُ أَصْحَابَهُمَا الْآخَرِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمَا مِنَ النُّقَبَاءِ. [ص: 300] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بِالْخَوْفِ"