سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض يقول تعالى ذكره: ما للذي حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ملة الإسلام أو ذمتهم إلا بعض هذه الخلال التي ذكرها جل ثناؤه. ثم اختلف أهل التأويل في
حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: ثني أَبُو صَخْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] قَالَا: إِنْ أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ , فَاقْتَطَعَ الْمَالَ , وَلَمْ يَسْفِكْ: قُطِعَ؛ وَإِذَا سَفَكَ دَمًا: قُتِلَ وَصُلِبَ؛ وَإِنْ جَمَعَهُمَا فَاقْتَطَعَ مَالًا وَسَفَكَ دَمًا: قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ. كَأَنَّ الصَّلْبَ مُثْلَةٌ , وَكَأَنَّ الْقَطْعَ {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] , وَكَأَنَّ الْقَتْلَ. النَّفْسُ بِالنَّفْسِ. وَإِنِ امْتَنَعَ فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ فَيُقِيمُوا عَلَيْهِ حُكْمَ كِتَابِ اللَّهِ , أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْكُفْرِ \" وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدَ , وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعَ؛ وَقَالُوا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \"" لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ فَقُتِلَ , وَرَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَرُجِمَ , وَرَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ \"" [ص: 378] قَالُوا: فَحَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ , فَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ مِنْ أَجْلِ إِخَافَتِهِ السَّبِيلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ مَالًا , فَذَلِكَ تَقَدُّمٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إِذَا قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ؛ فَهُنَالِكَ خِيَارُ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ أَوِ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ , أَوْ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ. وَأَمَّا صَلْبُهُ بِاسْمِ الْمُحَارَبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ , فَذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ"