سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنزل الله فيها في كل زمان على ما أمر بالحكم به فيها مع النبيين الذين أسلموا , الربانيون والأحبار. والربانيون: جمع
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنَ الْيَهُودِ أَخَوَانِ يُقَالَ لَهُمَا ابْنَا صُورِيَا , وَقَدِ اتَّبَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْلِمَا , وَأَعْطَيَاهُ عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ فِي التَّوْرَاةِ إِلَّا أَخْبَرَاهُ بِهِ. وَكَانَ أَحَدُهُمَا رِبِّيًّا , وَالْآخَرُ حَبْرًا , وَإِنَّمَا اتَّبَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ. فدَعَاهُمَا فَسَأَلَهُمَا , فَأَخْبَرَاهُ الْأَمْرَ كَيْفَ كَانَ حِينَ زَنَى الشَّرِيفُ وَزَنَى الْمِسْكِينُ , وَكَيْفَ غَيَّرُوهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] يَعْنِي: \" النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: هُمَا ابْنَا صُورِيَا. {لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَيْ صُورِيَا , فَقَالَ: {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا [ص: 453] مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْرَاةَ يَحْكُمُ بِهَا مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ لِلْيَهُودِ وَالرَّبَّانِيُّونَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَحْبَارُ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِذَلِكَ ابْنَا صُورِيَا وَغَيْرُهُمَا , غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ وَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ , وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ خَاصٌّ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ , وَلَا قَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , فَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ. وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ الْأَحْبَارِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"