سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته قراء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين: وعبد الطاغوت بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت , بمعنى: عابد , فجعل عبد فعلا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُهَا: «وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ» كَمَا يَقُولُ: ضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ \" قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِذَمِّ أَقْوَامٍ , فَكَانَ فِيمَا ذَمَّهُمْ بِهِ عِبَادَتُهُمُ الطَّاغُوتَ. وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ عُبِدَ , فَلَيْسَ مِنْ نَوْعِ الْخَبَرِ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْآيَةَ , وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا خَتَمَهَا بِهِ , فَيَكُونُ لَهُ وَجْهٌ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ. وَذُكِرَ أَنَّ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «وَعَابِدُ الطَّاغُوتِ» حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا شَيْخٌ , بَصْرِيُّ: أَنَّ بُرَيْدَةَ , كَانَ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ. وَلَوْ قُرِئَ ذَلِكَ: «وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ» , بِالْكَسْرِ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ صَحِيحٌ , وَإِنْ لَمْ أَسْتَجِزِ الْيَوْمَ الْقِرَاءَةَ بِهَا , إِذْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءَ بِخِلَافِهَا؛ وَوَجْهُ جَوَازِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا وَعَبْدَةُ الطَّاغُوتِ , ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَاءُ مِنَ"