سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة يقول تعالى ذكره: يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم، يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل هديا يقول: يقضي بالجزاء ذوا عدل أن يهدي فيبلغ الكعبة.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرٍ، أَنَّ رَجُلَيْنِ، أَبْصَرَا ظَبْيًا وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَتَرَاهَنَا، وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ [ص: 695] سَبَقَ إِلَيْهِ. فَسَبَقَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، فَرَمَاهُ بِعَصَاهُ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا قَدِمَا مَكَّةَ أَتَيَا عُمَرَ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ وَعِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا قِمَارٌ، وَلَا أُجِيزُهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَا تَرَى؟ قَالَ: شَاةً، فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَفَّى الرَّجُلَانِ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا دَرَى عُمَرُ مَا يَقُولُ حَتَّى سَأَلَ الرَّجُلَ، فَرَدَّهُمَا عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِعُمَرَ وَحْدَهُ فَقَالَ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَأَنَا عُمَرُ، وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ \"" وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَنْظُرُ الْعَدْلَانِ إِلَى الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فَيُقَوِّمَانِهِ قِيمَتُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَأْمُرَانِ الْقَاتِلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِذَلِكَ مِنَ النَّعَمِ هَدْيًا. فَالْحَاكِمَانِ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمَا لِتَقْوِيمِ الصَّيْدِ قِيمَتَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ مِنْ شَيْءٍ حُكِمَ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَفَقِّهَةِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هَدْيًا} [المائدة: 95] فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] ، وَقَوْلُهُ: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] مِنْ نَعْتِ الْهَدْيِ وَصِفَتِهِ. وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُنْعَتَ بِهِ وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] يَبْلُغُ الْكَعْبَةَ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا فَمَعْنَاهُ التَّنْوِينُ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى [ص: 696] الِاسْتِقْبَالِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] فَوَصَفَ بِقَوْلِهِ: {مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] عَارِضًا، لِأَنَّ فِي {مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] مَعْنَى التَّنْوِينِ، لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ الِاسْتِقْبَالُ، فَمَعْنَاهُ: هَذَا عَارِضٌ يُمْطِرُنَا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]"