سورة الأنعام
القول في تأويل قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين يعني تعالى ذكره بقوله: وكذلك نفصل الآيات: وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها يا محمد إلى هذا الموضع حجتنا على المشركين من عبدة الأوثان وأدلتنا، وميزناها لك وبيناها،
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ) قَالَ: «الَّذِينَ يَأْمُرُونَكَ بِطَرْدِ هَؤُلَاءِ» وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: {وَلِتَسْتَبِينَ} [الأنعام: 55] بِالتَّاءِ {سَبِيلُ [ص: 277] الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ لِلسَّبِيلِ، وَلَكِنَّهُ يُؤَنِّثُهَا، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَتَّضِحَ لَكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بِالْيَاءِ {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلسَّبِيلِ وَلَكِنَّهُمْ يُذَكِّرُونَهُ. وَمَعْنَى هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَمَعْنَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فِي: {وَلِتَسْتَبِينَ} [الأنعام: 55] وَرَفْعِ السَّبِيلِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي تَذْكِيرِ السَّبِيلِ وَتَأْنِيثِهَا. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي (السَّبِيلِ) الرَّفْعُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَصَّلَ آيَاتِهِ فِي كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ، لِيَتَبَيَّنَ الْحَقَّ بِهَا مِنَ الْبَاطِلِ جَمِيعُ مَنْ خُوطِبَ بِهَا، لَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ. وَمَنْ قَرَأَ (السَّبِيلَ) بِالنَّصْبِ، فَإِنَّمَا جَعَلَ تَبْيِينَ ذَلِكَ مَحْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ: {وَلِتَسْتَبِينَ} [الأنعام: 55] فَسَوَاءٌ قُرِئَتْ بِالتَّاءِ أَوْ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُ السَّبِيلَ وَهُمْ تَمِيمٌ وَأَهْلُ نَجْدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُ السَّبِيلَ وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِقِرَاءَتِهِ بِالْأُخْرَى وَلَا وَجْهَ لِاخْتِيَارِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ السَّبِيلَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الأنعام: 55] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"