الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَارِي وَلَا فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى إِلَّا اللَّهُ يَعْلَمُهَا. {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] يَقُولُ: وَلَا شَيْءَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ مِمَّا سَيُوجَدُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، إِلَّا وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، مَكْتُوبٌ ذَلِكَ فِيهِ وَمَرْسُومٌ عَدَدُهُ وَمَبْلَغُهُ وَالْوَقْتُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ وَالْحَالُ الَّتِي يَفْنَى فِيهَا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {مُبِينٍ} [البقرة: 168] أَنَّهُ يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ مَا هُوَ فِيهِ بِوُجُودِ مَا رُسِمَ فِيهِ عَلَى مَا رُسِمَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ إِثْبَاتِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهُوَ بِجَمِيعِهِ عَالِمٌ لَا يُخَافُ نِسْيَانُهُ؟"