سورة الأنعام
القول في تأويل قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ايئس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] : \" وَهُمْ أَهْلُ الشَّقَاءِ. ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111] : وَهُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي [ص: 494] الْإِيمَانِ \"" وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] الْقَوْمَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} [الأنعام: 109] . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَةَ كَانُوا هُمُ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّهُمْ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَالْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْعُمُومِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الشَّقَاءِ مِنْهُمْ أَوْلَى لِمَا وَصَفْنَا. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (قِبَلًا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى مُعَايَنَةً، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَقِيتُهُ قِبَلًا: أَيْ مُعَايَنَةً وَمُجَاهَرَةً. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ {قُبُلًا} [الأنعام: 111] بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ. وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ جَمْعَ قَبِيلٍ كَالرُّغُفِ الَّتِي هِيَ جَمْعُ رَغِيفٍ، وَالْقُضُبِ الَّتِي هِيَ جَمْعُ قَضِيبٍ، وَيَكُونُ الْقُبُلُ: الضُمَنَاءُ وَالْكُفَلَاءُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلَاءَ يَكْفُلُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ [ص: 495] بِاللَّهِ إِنْ آمَنُوا، أَوْ نُوعِدُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ، مَا آمَنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ (الْقُبُلُ) بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَتَيْتُكَ قُبُلًا لَا دُبُرًا، إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبِيلَةً قَبِيلَةً، صِنْفًا صِنْفًا، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً. فَيَكُونُ الْقُبُلُ حِينَئِذٍ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هُوَ جَمْعُ قَبِيلَةٍ، فَيَكُونُ الْقُبُلُ جَمْعَ الْجَمْعِ. وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَدْ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مُعَايَنَةٌ"