سورة الأنعام
القول في تأويل قوله تعالى: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: ما في بطون هذه الأنعام، فقال بعضهم: عنى بذلك اللبن
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،، عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} [الأنعام: 139] : «السَّائِبَةُ وَالْبَحِيرَةُ» [ص: 586] حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَنْعَامٍ بِأَعْيَانِهَا: مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا دُونَ إِنَاثِنَا. وَاللَّبَنُ مِمَّا فِي بُطُونِهَا، وَكَذَلِكَ أَجِنَّتُهَا، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: بَعْضُ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِنَّ دُونَ بَعْضٍ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ قَالُوا مَا فِي بُطُونِ تِلْكَ الْأَنْعَامِ مِنْ لَبَنٍ وَجَنِينٍ حِلٌّ لِذُكُورِهِمْ خَالِصَةٌ دُونَ إِنَاثِهِمْ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ بِذَلِكَ رِجَالَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي فِي بُطُونِهَا مِنَ الْأَجِنَّةِ مَيِّتًا فَيَشْتَرِكُ حِينَئِذٍ فِي أَكْلِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنِّثَتِ الْخَالِصَةُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: أُنِّثَتْ لِتَحْقِيقِ الْخُلُوصِ، كَأَنَّهُ لَمَّا حَقَّقَ لَهُمُ الْخُلُوصَ أَشْبَهَ الْكَثْرَةَ، فَجَرَى مَجْرَى رَاوِيَةٍ وَنَسَّابَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: أُنِّثَتْ لِتَأْنِيثِ الْأَنْعَامِ، لِأَنَّ مَا فِي بُطُونِهَا مِثْلَهَا، فَأُنِّثَتْ لِتَأْنِيثِهَا. وَمَنْ ذَكَّرَهُ فَلِتَذْكِيرِ (مَا) ، قَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (خَالِصٌ) ، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ الْخَالِصَةُ فِي تَأْنِيثِهَا مَصْدَرًا، كَمَا تَقُولُ: الْعَافِيَةَ وَالْعَاقِبَةَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ} [ص: 46] . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي خُلُوصِ مَا [ص: 587] فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ الَّتِي كَانُوا حَرَّمُوا مَا فِي بُطُونِهَا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، لِذُكُورِهِمْ دُونَ إِنَاثِهِمْ، كَمَا فُعِلَ ذَلِكَ بِالرَّاوِيَةِ وَالنَّسَّابَةِ وَالْعَلَّامَةِ، إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ خَالِصَةُ فُلَانٍ وَخُلْصَانُهُ"