سورة الأعراف
القول في تأويل قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم
بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ (هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) . وَالنَّشْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الرِّيَاحِ الطَّيِّبَةِ اللَّيِّنَةِ الْهُبُوبِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّحَابَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رِيحٍ طَيِّبَةٍ عِنْدَهُمْ فَهِيَ نَشْرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
[البحر المتقارب]
كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَنَشْرَ الْقُطُرْ
وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ خَلَا عَاصِمَ بْنَ أَبِي النَّجُودِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: {بُشْرًا} [الأعراف: 57] عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ فِيهِ، فَرَوَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ: {بُشْرًا} [الأعراف: 57] بِالْبَاءِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الشِّينِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْبَاءِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ الشِّينِ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] : تُبَشِّرُ بِالْمَطَرِ، وَأَنَّهُ جَمْعُ بَشِيرٍ بُشُرًا، كَمَا يُجْمَعُ النَّذِيرُ نُذُرًا. وَأَمَّا قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ: (وَهُوَ الَّذِي"