سورة الأعراف
القول في تأويل قوله تعالى: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين يقول جل ثناؤه: قال شعيب
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنَّ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89] يَقُولُ: \" مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعُودَ فِي شِرْكِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا فَاللَّهُ لَا يَشَاءُ الشِّرْكَ، وَلَكِنْ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وَقَوْلُهُ: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] يَقُولُ: عَلَى اللَّهِ نَعْتَمِدُ فِي أُمُورِنَا وَإِلَيْهِ نَسْتَنِدُ فِيمَا تَعِدُونَنَا بِهِ مِنْ شِرْكِكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ، فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ثُمَّ فَزِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَى رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ عَلَى قَوْمِهِ، إِذْ أَيسَ مِنْ فَلَاحِهِمْ، وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِنْ إِذْعَانِهِمْ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالْإِقْرَارِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ مُؤْمِنِي قَوْمِهِ مِنْ فَسَقَتِهِمُ الْعَطَبَ وَالْهَلَكَةَ بِتَعْجِيلِ النِّقْمَةِ، فَقَالَ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89] يَقُولُ: احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِحُكْمِكَ الْحَقِّ الَّذِي لَا جَوْرَ فِيهِ وَلَا حَيْفَ وَلَا ظُلْمَ، وَلَكِنَّهُ عَدْلٌ وَحَقٌّ {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] يَعْنِي: خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. [ص: 320] ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ يُسَمُّونَ الْقَاضِي: الْفَاتِحَ وَالْفَتَّاحَ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهُ مِنْ لُغَةِ مُرَادٍ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ بَيْتًا وَهُوَ
[البحر الوافر]
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عُصَمٍ رَسُولًا ... فَإِنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"