سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فهي كالحجارة أو أشد قسوة يعني بقوله: فهي قلوبكم. يقول: ثم صلبت قلوبكم بعد إذ رأيتم الحق فتبينتموه وعرفتموه عن الخضوع له والإذعان لواجب حق الله عليكم، فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة، أو أشد صلابة؛ يعني قلوبكم عن
قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَقُلُوبُهُمْ لَا تَخْرُجُ مِنْ أَحِدِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَثَلًا لِلْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا قَسْوَةً. وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: فَبَعْضُهَا كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] بِمَعْنَى: وَأَشَدُّ قَسْوَةً، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] بِمَعْنَى: وَكَفُورًا. وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
[البحر البسيط]
نَالَ الْخِلَاقَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
يَعْنِي نَالَ الْخِلَافَةَ وَكَانَتْ لَهُ قَدَرًا. وَكَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر البسيط]
قَالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفُهُ فَقَدِ
يُرِيدُ وَنِصْفُهُ وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى وَبَلْ، فَكَانَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} بِمَعْنَى: بَلْ يَزِيدُونَ."