سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا يعني بذلك: الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: \" {وَيْلٌ} [البقرة: 79] وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ الْجِبَالُ لَانْمَاعَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ \"" قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا وَجْهُ {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] ؟ وَهَلْ تَكُونُ الْكِتَابَةُ بِغَيْرِ الْيَدِ حَتَّى احْتَاجَ الْمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قِصَّتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْكِتَابَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُضَافُ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِ كَاتِبِهِ وَغَيْرِ الْمُتَوَلِّي رَسْمَ خَطِّهِ، فَيُقَالُ: كَتَبَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي كِتَابَتَهُ بِيَدِهِ غَيْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْكِتَابُ، إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ كَتَبَهُ بِأَمْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْكِتَابُ. فَأَعْلَمَ رَبُّنَا بِقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ تَلِي كِتَابَةَ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَعَمْدٍ لِلْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ تَنْحَلُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ [ص: 169] تَكَذُّبًا عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَاءً عَلَيْهِ. فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] أَنْ يَكُونَ وَلِيَ كِتَابَةَ ذَلِكَ بَعْضُ جُهَّالِهِمْ بِأَمْرِ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ. وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: بَاعَنِي فُلَانٌ عَيْنَهُ كَذَا وَكَذَا، فَاشْتَرَى فُلَانٌ نَفْسَهُ كَذَا، يُرَادُ بِإِدْخَالِ النَّفْسِ وَالْعَيْنِ فِي ذَلِكَ نَفْيُ اللَّبْسِ عَنْ سَامِعِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي بَيْعَ ذَلِكَ وَشِرَاءَهُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ بِهِ بِأَمْرِهِ، وَيُوجِبُ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ لِلْمُخْبِرِ عَنْهُ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]"