سورة الأنفال
وأما قوله: وآخرين من دونهم لا تعلمونهم فإن قول من قال: عنى به الجن، أقرب وأشبه بالصواب؛ لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله: ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كل عدو لله وللمؤمنين يعلمونهم، ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين
لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا عَالِمِينَ بِعَدَاوَةِ قُرَيْظَةَ وَفَارِسَ لَهُمْ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ وَأَنَّهُمْ لَهُمْ حَرْبٌ، وَلَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَهُمْ لَهُمْ أَعْدَاءً، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تُرْهِبُونَ بِارْتِبَاطِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْخَيْلَ عَدُوَّ اللَّهِ وَأَعْدَاءَكُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمْتُمْ عَدَاوَتَهُمْ لَكُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُرْهِبُونَ بِذَلِكَ جِنْسًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ لَا تَعْلَمُونَ أَمَاكِنَهُمْ وَأَحْوَالَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ دُونَكُمْ؛ لِأَنَّ بَنِي آدَمَ لَا يَرَوْنَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ صَهِيلَ الْخَيْلِ يُرْهِبُ الْجِنَّ، وَإِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ دَارًا فِيهَا فَرَسٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ، فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ؟ قِيلَ: فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَكُنْ تَرُوعُهُمْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا سِلَاحُهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرُوعُهُمْ أَنْ يَظْهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سَرَائِرِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَسْتَسِرُّونَ مِنَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُؤْمِنُونَ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُرْهِبْهُ ذَلِكَ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى مَنْ أُمِرَ بِإِعْدَادِ ذَلِكَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: لَا تَعْلَمُونَهُمْ، فَاكْتُفِيَ لِلْعِلْمِ بِمَنْصُوبٍ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ لَا تَعْرِفُونَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُنِي وَوَهْبًا ... وَأَنَّا سَوْفَ يَلْقَاهُ كِلَانَا"