سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا إن قال قائل: كيف قيل: وقولوا للناس حسنا فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب
لَا تَعْبُدُونَ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَبَ تَبْتَدِئُ الْكَلَامَ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ فِي مَوْضِعِ الْحِكَايَاتِ لِمَا أَخْبَرَتُ عَنْهُ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَتَبْتَدِئُ أَحْيَانًا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ لِمَا فِي الْحِكَايَةِ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ
يَعْنِي تَقَلَيْتِ، وَأَمَّا الْحُسْنُ فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ. وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: {حُسْنًا} [البقرة: 83] بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَسْكِينِ السِّينِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى) عَلَى مِثَالِ فُعْلَى. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي فَرْقِ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ: حَسَنًا، وَحُسْنًا. فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُرَادُ بِالْحَسَنِ الْحُسْنَ، وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ، كَمَا يُقَالُ: الْبَخَلُ وَالْبُخْلُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الْحُسْنَ هُوَ الْحَسَنَ فِي التَّشْبِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْنَ مَصْدَرٌ،"