الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْمُتَوَكِّلُ بِنَصْرِ رَسُولِهِ عَلَى أَعْدَاءِ دِينِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ، أَعَانُوهُ أَوْ لَمْ يُعِينُوهُ، وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي قِلَّةٍ وَالْعَدُوُّ فِي كَثْرَةٍ، فَكَيْفَ بِهِ وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي كَثْرَةٍ وَالْعَدُوُّ فِي قِلَّةٍ؟ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِلَّا تَنْفِرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَعَ رَسُولِي إِذَا اسْتَنْفَرَكُمْ فَتَنْصُرُوهُ، فَاللَّهُ نَاصِرُهُ وَمُعِينُهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَمُغْنِيهِ عَنْكُمْ وَعَنْ مَعُونَتِكُمْ وَنُصْرَتِكُمْ، كَمَا نَصَرَهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة: 40] يَقُولُ: أَخْرَجُوهُ وَهُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ: أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ يَعْنِي أَحَدَ الِاثْنَيْنِ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ، يَعْنِي: أَحَدَ ثَلَاثَةٍ، وَأَحَدَ الْأَرْبَعَةِ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ: هُوَ أَخُو"