سورة الفاتحة
القول في تأويل قوله تعالى: الرحمن الرحيم قال أبو جعفر: أما الرحمن، فهو فعلان، من رحم، والرحيم فعيل منه. والعرب كثيرا ما تبني الأسماء من فعل يفعل على فعلان، كقولهم من غضب غضبان، ومن سكر سكران، ومن عطش عطشان، فكذلك قولهم رحمن من رحم، لأن فعل منه
فَبَدَأَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّسَمِّي بِهِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ أَنَّا قَدُ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى اللَّهِ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَلَا مَعْبُودَ غَيْرُهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَأَنَّ التَّسَمِّيَ بِهِ قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِنْ قَصَدَ الْمُتَسَمِّي بِهِ مَا يَقْصِدُ الْمُتَسَمِّي بِسَعِيدٍ وَهُوَ شَقِيٌّ، وَبِحَسَنٍ وَهُوَ قَبِيحٌ. أَوَ لَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 60] فَاسْتَكْبَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُقِرَّ بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي خُصُوصِيَّةِ نَفْسِهِ بِاللَّهِ وَبِالرَّحْمَنِ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} ثُمَّ ثَنَّى بِاسْمِهِ، الَّذِي هُوَ الرَّحْمَنُ، إِذْ كَانَ قَدْ مَنَعَ أَيْضًا خَلْقَهُ التَّسَمِّيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ قَدْ يَسْتَحِقُّ تَسْمِيَتَهُ بِبَعْضِ مَعَانِيهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ وَصْفُ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُوَ دُونَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ بِبَعْضِ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضُ الْأُلُوهِيَّةِ أَحَدٌ دُونَهُ؛ فَلِذَلِكَ جَاءَ الرَّحْمَنُ ثَانِيًا لِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ. وَأَمَّا اسْمُهُ الَّذِي هُو الرَّحِيمُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ وَصْفُ غَيْرِهِ بِهِ. وَالرَّحْمَةُ مِنْ صِفَاتِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، فَكَانَ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاقِعًا مَوَاقِعَ نُعُوتِ الْأَسْمَاءِ اللَّوَاتِي هُنَّ تَوَابِعُهَا بَعْدَ تَقَدُّمِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهَا.