سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا يعني بقوله جل ثناؤه: فما جزاء من يفعل ذلك منكم فليس لمن قتل منكم قتيلا فكفر بقتله إياه بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة، وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 85] وَالْخِزْيُ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ، يُقَالُ مِنْهُ: خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزَى خِزْيًا {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 85] ، يَعْنِي فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْخِزْي الَّذِي أَخْزَاهُمُ اللَّهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْذِ الْقَاتِلِ بِمَنْ قَتَلَ وَالْقَوَدِ بِهِ قِصَاصًا، وَالِانْتِقَامِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هُوَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى دِينِهِمْ ذِلَّةً لَهُمْ وَصَغَارًا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْخِزْيُ الَّذِي جُوزُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا إِخْرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ مِنْ دِيَارِهِمْ لَأَوَّلِ الْحَشْرِ، وَقَتْلُ مَقَاتِلَةِ قُرَيْظَةَ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ؛ فَكَانَ ذَلِكَ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ