سورة يونس
القول في تأويل قوله تعالى: ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون يقول تعالى ذكره: ولو أن لكل نفس كفرت بالله. وظلمها في هذا الموضع: عبادتها غير من يستحق عبادة وتركها طاعة من يجب عليها
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ كَفَرَتْ بِاللَّهِ. وَظُلْمُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: عِبَادَتُهَا غَيْرَ مَنْ يَسْتَحِقُّ عِبَادَةً وَتَرْكُهَا طَاعَةَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ. {مَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 29] مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، {لَافْتَدَتْ بِهِ} [يونس: 54] يَقُولُ: لَافْتَدَتْ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِذَا عَايَنَتْهُ. وَقَوْلُهُ: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54] يَقُولُ: وَأَخْفَتْ رُؤَسَاءُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ وُضَعَائِهِمْ وَسَفَلَتِهِمُ النَّدَامَةَ حِينَ أَبْصَرُوا عَذَابَ اللَّهِ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [يونس: 54] يَقُولُ: وَقَضَى اللَّهُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الْأَتْبَاعِ وَالرُّؤَسَاءِ مِنْهُمْ بِالْعَدْلِ. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا بِجَرِيرَتِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ بِذَنْبِ أَحَدٍ، وَلَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْذَرْ وَتَابَعَ عَلَيْهِ الْحُجَجَ