سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت اختلف أهل العلم في تأويل ما التي في قوله: وما أنزل على الملكين فقال بعضهم: معناه الجحد وهي بمعنى لم
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: \" {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} [البقرة: 102] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] قَالَ: الشَّيَاطِينُ وَالْمَلَكَانِ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ [ص: 334] السِّحْرَ \"" قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ: وَاتَّبَعَتِ الْيَهُودُ الَّذِي تَلَتِ الشَّيَاطِينُ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ. وَهُمَا مَلَكَانِ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ، سَنَذْكُرُ مَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي شَأْنِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالُوا: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ السِّحْرَ، أَمْ هَلْ يَجُوزُ لِمَلَائِكَتِهِ أَنْ تُعَلِّمَهُ النَّاسَ؟ قُلْنَا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَنْزَلَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ، وَبَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ، فَأَوْحَاهُ إِلَى رُسُلِهِ وَأَمَرَهُمْ بِتَعْلِيمِ خَلْقِهِ وَتَعْرِيفِهِمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ؛ وَذَلِكَ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي الَّتِي عَرَّفَهُمُوهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهَا، فَالسِّحْرُ أَحَدُ تِلْكَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا. قَالُوا: لَيْسَ فِي الْعِلْمِ بِالسِّحْرِ إِثْمٌ، كَمَا لَا إِثْمَ فِي الْعِلْمِ بِصَنْعَةِ الْخَمْرِ وَنَحْتِ الْأَصْنَامِ وَالطَّنَابِيرِ وَالْمَلَاعِبِ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ فِي عَمَلِهِ وَتَسْوِيَتُهُ. [ص: 335] قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا إِثْمَ فِي الْعِلْمِ بِالسِّحْرِ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَأَنْ يُضَرَّ بِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ ضَرُّهُ بِهِ. قَالُوا: فَلَيْسَ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَلَا فِي تَعْلِيمِ الْمَلَكَيْنِ مَنْ عَلَّمَاهُ مِنَ النَّاسِ إِثْمٌ إِذَا كَانَ تَعْلِيمُهُمَا مَنْ عَلَّمَاهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمَا بِتَعْلِيمِهِ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَاهُ بِأَنَّهُمَا فِتْنَةٌ وَيَنْهَاهُ عَنِ السِّحْرِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالْكُفْرِ؛ وَإِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ يَتَعَلَّمُهُ مِنْهُمَا وَيَعْمَلُ بِهِ، إِذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ نَهَاهُ عَنْ تَعَلُّمِهِ وَالْعَمَلَ بِهِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاحَ لِبَنِي آدَمَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مَنْ تَعَلَّمَهُ حَرِجًا، كَمَا لَمْ يَكُونَا حَرِجَيْنِ لِعِلْمِهِمَا بِهِ، إِذْ كَانَ عِلْمُهُمَا بِذَلِكَ عَنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ إِلَيْهِمَا. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى مَا مَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ عَطْفٌ عَلَى مَا الْأُولَى، غَيْرَ أَنَّ الْأُولَى فِي مَعْنَى السِّحْرِ وَالْآخِرَةِ فِي مَعْنَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَاتَّبَعُوا السِّحْرَ الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِينُ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَالتَّفْرِيقُ الَّذِي بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ"