سورة يوسف
القول في تأويل قوله تعالى: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل، وإنا له لحافظون يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم قالوا: يا أبانا منع منا الكيل، فأرسل معنا أخانا نكتل يقول: منع منا الكيل فوق الكيل
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: \" خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى أَبِيهِمْ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبَاتِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ بِغَوْرِ الشَّامِ وَبَعْضٌ يَقُولُ: بِالْأَوْلَاجِ مِنْ نَاحِيَةِ الشِّعْبِ أَسْفَلَ مِنْ حِسْمَى، وَكَانَ صَاحِبَ بَادِيَةٍ لَهُ شَاءٌ وَإِبِلٌ، فَقَالُوا: يَا أَبَانَا، قَدِمْنَا عَلَى خَيْرِ رَجُلٍ، أَنْزَلَنَا فَأَكْرَمَ مَنْزِلَنَا، وَكَالَ لَنَا فَأَوْفَانَا وَلَمْ يَبْخَسْنَا، وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَأْتِيَهُ بِأَخٍ لَنَا مِنْ أَبِينَا، وَقَالَ: إِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَفْعَلُوا فَلَا تَقْرَبُنِّي، وَلَا تَدْخُلُنَّ بَلَدِي فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] \"" وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {نَكْتَلْ} [يوسف: 63] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ [ص: 231] الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ: {نَكْتَلْ} [يوسف: 63] بِالنُّونِ، بِمَعْنَى: نَكْتَلْ نَحْنُ وَهُوَ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (يَكْتَلْ) بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى يَكْتَلْ هُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا نَكْتَالُ لِأَنْفُسِنَا. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَخْبَرُوا أَبَاهُمْ أَنَّهُ مُنِعَ مِنْهُمْ زِيَادَةُ الْكَيْلِ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، فَقَالُوا: {يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} [يوسف: 63] ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمْ أَخَاهُمْ لِيَكْتَالَ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ إِذَنْ اكْتَالَ لِنَفْسِهِ وَاكْتَالُوا هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، فَقَدْ دَخَلَ الْأَخُ فِي عَدَدِهِمْ، فَسَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَى الْكَلَامِ وَمَا أُرِيدَ بِهِ"