سورة يوسف
القول في تأويل قوله تعالى: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين يعني تعالى ذكره: فلما استيأسوا منه فلما يئسوا منه
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} [يوسف: 80] يَئِسُوا مِنْهُ، وَرَأَوْا شِدَّتَهُ فِي أَمْرِهِ \" وَقَوْلُهُ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] يَقُولُ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَتَنَاجَوْنَ، لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ وَالنَّجِيُّ جَمَاعَةُ الْقَوْمِ الْمُتَنَاجِينَ يُسَمَّى بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وَرِجَالٌ عَدْلٌ، وَقَوْمٌ زُورٌ وَفِطْرٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَجَوْتُ فُلَانًا أَنْجُوهُ نَجِيًّا، جُعِلَ صِفَةً وَنَعْتًا، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] فَوَصَفَ بِهِ الْوَاحِدَ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] فَوَصَفَ بِهِ الْجَمَاعَةَ، وَيَجْمَعُ النَّجِيُّ أَنْجِيَةً، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر الكامل]
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَةَ الْأُفَاقَةِ عَالِيًا ... كَعْبِي وَأَرْدَافُ الْمُلُوكِ شُهُودُ
وَقَدْ يُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ مِنَ الرِّجَالِ: نَجْوَى، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] وَقَالَ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: 7] وَهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَتَنَاجَوْنَ وَتَكُونُ النَّجْوَى أَيْضًا مَصْدَرًا، كَمَا قَالَ [ص: 282] اللَّهُ: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} [المجادلة: 10] تَقُولُ مِنْهُ: نَجَوْتُ أَنْجُو نَجْوَى، فَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُنَاجَاةُ نَفْسُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر المتقارب]
بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ ... فَكُنْ عِنْدَ سِرِّكَ خَبَّ النَّجِي
فَالنَّجْوَى وَالنَّجِيُّ فِي هَذَا الْبَيْتِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُنَاجَاةُ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"