سورة يوسف
القول في تأويل قوله تعالى: قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين يعني تعالى ذكره: قال ولد يعقوب الذين انصرفوا إليه من مصر له حين قال يا أسفى على يوسف: تالله لا تزال تذكر يوسف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: {تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85] قَالَ: «لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ» يُقَالُ مِنْهُ: مَا فَتِئْتُ أَقُولُ ذَاكَ، وَمَا فَتَأْتُ لُغَةً، أَفْتِئُ وَأَفْتَأُ فَتْئًا وَفُتُوءًا وَحُكِيَ أَيْضًا مَا أَفْتَأْتُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر الطويل]
[ص: 300] فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأَنَّ غُبَارَهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي رِيَاحٍ تَرَفَّعُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي ... وَيَلْحَقُ مِنْهَا لَاحِقٌ وَتَقَطَّعُ
بِمَعْنَى: فَمَا زَالَتْ وَحُذِفَتْ «لَا» مِنْ قَوْلِهِ {تَفْتَأُ} [يوسف: 85] وَهِيَ مُرَادَةٌ فِي الْكَلَامِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا كَانَ مَا بَعْدَهَا خَبَرًا لَمْ يَصْحَبْهَا الْجَحْدُ، وَلَمْ تَسْقُطِ اللَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا الْأَيْمَانُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّكَ، وَإِذَا كَانَ مَا بَعْدَهَا مَجْحُودًا تُلُقِّيَتْ بِ «مَا» أَوْ بِـ «لَا» ، فَلَمَّا عُرِفَ مَوْقِعُهَا حُذِفَتْ مِنَ الْكَلَامِ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
[البحر الطويل]
فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
فَحُذِفَتْ «لَا» مِنْ قَوْلِهِ: «أَبْرَحُ قَاعِدًا» ، لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْعِلَّةِ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الطويل]
فَلَا وَأَبِي دَهْمَاءَ زَالَتْ عَزِيزَةً عَلَى قَوْمِهَا مَا فَتَّلَ الزَّنْدَ قَادِحُ يُرِيدُ: لَا زَالَتْ"