سورة الفاتحة
القول في تأويل قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين قال أبو جعفر: وتأويل قوله: إياك نعبد لك اللهم نخشع ونذل ونستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك. كما
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \" قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُو يَا رَبَّنَا لَا غَيْرَكَ \"" وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْبَيَانَ عَنْ تَأْوِيلِهِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ، دُونَ الْبَيَانِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَرْجُو وَنَخَافُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مَعَ ذِلَّةٍ؛ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ أَصْلُهَا الذِّلَّةُ، وَأَنَّهَا تُسَمِّي الطَّرِيقَ الْمُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ وَذَلَّلَتْهُ السَّابِلَةُ: مُعَبَّدًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:
[البحر الطويل]
[ص: 160] تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ ... وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
يَعْنِي بِالْمَوْرِ: الطَّرِيقِ، وَبِالْمُعَبَّدِ: الْمُذَلَّلِ الْمَوْطُوءِ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَعِيرِ الْمُذَلَّلِ بِالرِّكُوبِ فِي الْحَوَائِجِ: مُعَبَّدٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ لِمَوْلَاهُ. وَالشَّوَاهِدُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"