سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: نأت بخير منها أو مثلها اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: نأت بخير منها أو مثلها
شَطْرَهُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُتَوَجِّهِ شَطْرَ الْبَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ مُؤْنَةِ تَوَجُّهِهِ شَطْرَهُ، نَظِيرُ الَّذِي عَلَى بَدَنِهِ مُؤْنَةُ تَوَجُّهِهِ شَطْرَ الْكَعْبَةِ سَوَاءٌ. فَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْمِثْلِ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] مَا نَنْسَخْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَهُمْ مَعْنَاهَا اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ ذِكْرِ الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهَا. وَذَلِكَ نَظِيرُ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، كَقَوْلِهِ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93] بِمَعْنَى حُبِّ الْعِجْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: مَا نُغَيِّرُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلُهُ أَوْ نَتْرُكُهُ فَلَا نُبَدِّلُهُ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنْهَا، أَوْ مِثْلِ حُكْمِهَا فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ وَالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُشْرَبُ فِي الْقُلُوبِ وَأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93] أَنَّ مَعْنَاهُ: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ، فَمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106] لِذَلِكَ نَظِيرٌ؟